عروض الاستحواذ العدائية ... حرب من ينتصر فيها؟
في عالم الشركات العملاقة لا تسير الأمور دائماً كما يبدو على السطح فخلف الأرقام البراقة والتقارير المالية التي تلمع صورة النجاح تدور معارك اقتصادية شرسة لا تقل إثارة عن أي صراع سياسي أو عسكري. هذه المعارك لا تخاض بالسلاح بل بالأموال والنفوذ والقرارات الجريئة التي قد تغير ملامح السوق بين ليلة وضحاها. في أسواق المال لا تقتصر المناقسة على تقديم منتجات أفضل أو خدمات أكثر جودة أو أسعار أكثر تنافسية بل تصل أحياناً إلى مرحلة أكثر جدلاً وإثارة: الاستحواذ العدائي.
الاستحواذ العدائي ليس مجرد صفقة مالية عادية بل هو لعبة معقدة تجمع بيين الطموح والقوة والمخاطرة حيث يسعى طرف إلى السيطرة على شركة أخرى رغماً عنها متحدياً إرادة إدارتها ومجلسها التنفيذي. هذه الظاهرة ليست جديدة لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في عصر العولمة والتكنولوجيا حيث تتسابق الشركات العملاقة للسيطرة على الأسواق وتأمين حصص أكبر من النفوذ الاقتصادي. في المعركة لا مكان للمجاملات بل كل شيء مباح ضمن حدود القانون وأحياناً على حافة الثغرات القانونية التي تثير الجدل.
ما يجعل هذه الظاهرة مثيرة هو أنها تكشف الوجه الآخر لعالم الأعمال، الوجه الذي لا يظهر في الإعلانات ولا في المؤتمرات الصحفية فتكشف كيف يمكن أن تتحول الطموحات إلى حروب اقتصادية وكيف يمكن أن تصبح الشركات نفسها أهدافاً في لعبة النفوذ المالي، ومع كل صفقة استحواذ عدائي تتغير قواعد اللعبة وتكتب فصول جديدة في تاريخ الاقتصاد العالمي.
لكن ما هو الاستحواذ العدائي حقاً؟ولماذا تلجأ الشركات إلى هذه الخطوة الجريئة التي قد تثيرغضب مجالس الإدارة وتربك المساهمين؟
هل هو وسيلة لتحقيق النمو السريع أم سلاح اقتصادي يهدد استقرار الشركات؟
كيف يمكن لشركة أن تفرض سيطرتها على أخرى رغماً عنها؟
وهل هذه الممارسات قانونية أم أنها مجرد ثغرات في النظام المالي العالمي؟
ما الذي يجعل الصفقات تتحول إلى معارك شرسة تتابعها وسائل الإعلام كما لو كانت قصة مثيرة؟
هل يمكن أن تكون هذه المعارك فرصة ذهبية للمستثمرين أم بداية لانهيار شركات عملاقة؟
ثم كيف تدافع الشركات المستتهدفة عن نفسها أمام هذه الهجمات الاقتصادية؟
وهل يمكن أن نشهد في المستقبل صفقات أكثر جرأة في ظل التغيرات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة؟
عندما نسمع كلمة "استحواذ" قد يخطر على بالنا صورة صفقة ودية بين شركتين حيث يجلس الطرفان على طاولة المفاوضات ويتبادلان الابتسامات ويستعرضان المخططات والتحليلات المالية واستقراءات السوق قبل توقيع العقود، لكن في الواقع ليس كل الاستحواذات تسير هكذا فهناك نوع آخر أكثر إثارة للجدل وحتى ضجيجاً في السوق المالي، نوع يثير المخاوف ويشعل المعارك داخل مجالس الإدارة.
الاستحواذ العدائي ببساطة هو محاولة شركة ما السيطرة على شركة أخرى رغماً عنها أي دون موافقة مجلس إدارتها. في هذه الحالة لا تكون المفاوضات التقليدية هي الطريق والوسيلة بل يلجأ المستحوذ إلى طرق ملتوية لكنها بالرغم من ذلك قانونية مثل شراء الأسهم مباشرة من السوق أو تقديم عروض مغرية للمساهمين حتى يبيعوا حصصم متجاوزاً بذلك إرادة الإدارة العليا للشركة المستهدفة.
يعتبر هذا الأسلوب "استحواذاً عدائياً" لأنه يفرض واقعاً جديداً على الشركة المستهدفة دون رغبتها مما يخلق حالة من التوتر والرفض وأحياناً حرباً إعلامية وقانونية بين الطرفين، ومع ذلك يظل السؤال الأهم: هل الاستحواذ العدائي دائماً أمر سلبي؟ أم يمكن أن يتحول إلى فرصة ذهبية للمستثمرين وللشركة المستهدفة نفسها إذا تم التعامل معه بذكاء وحنكة؟
اللافت أن هذا النوع من الصفقات ليس مجرد عملية مالية بل هو انعكاس لصراع النفوذ في عالم الشركات حيث يسعى الكبار لابتلاع الأصغر أو حتى منافسين أقوياء بهدف تعزيز القوة السوقية أو الحصول على تقنيات مبتكرة وهنا تبدأ القصة الحقيقية: لعبة مليارية محفوفة بالمخاطر قد تنتهي ببنجاح مذهل أو بفشل مدوٍ يترك أثره لسنوات.
الاستحواذ العدائي ليس وليد اليوم بل ظهر بشكل واضح في أسواق المال الأمريكية خلال ثمانيات القرن الماضي حيث كانت الشركات العملاقة تبحث عن النمو السريع بأي وسيلة، ومع مرور الوقت تطورت الآليات وأصبحت أكثر تعقيداً خاصة مع دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال مما جعل هذه الصفقات أكثر جرأة وأوسع تأثيراً. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الاستحواذ العدائي دائماً أمر سلبي؟ في بعض الحالات قد يؤدي دخول مستحوذ قوي إلى إنقاذ شركة كانت على وشك الانهيار أو إلى ضخ استثمارات ضخمة تعيد لها الحياة، لكن في حالات أخرى قد تكون بداية لفوضى إدارية وخسائر مالية فادحة.
الاستحواذ العدائي، رغم ما يحمله من طابع الصراع، لا يعني بالضرورة أنه غير قانوني. في الواقع، معظم هذه العمليات تتم ضمن إطار تشريعي واضح لكن التفاصيل تختلف من سوق إلى آخر، ففي الولايات المتحدة تخضع عمليات الاستحواذ لقوانين هيئة الأوراق المالية والبورصات SEC التي تفرض على الشركات الإفصاح عن نواياها عند تجاوز نسب معينة من الملكية وتمنح المساهمين الحق في قبول أو رفض عروض الشراء. هذا الإطار القانوني يهدف إلى حماية حقوق المستثمرين وضمان الشفافية لكنه في الوقت نفسه يترك مساحة للمناورة وهو ما يستغله المستحوذون بذكاء.
أما في أوروبا فالوضع أكثر صرامة، إذ تفرض هيئات المنافسة قيوداً مشددة لمنع أي صفقة قد تؤدي إلى احتكار السوق أو الإضرار بالمستهلكين. هنا لا يكفي أن تكون الصفقة مربحة بل يجب أن تمر عبر سلسلة طويلة من الموافقات التنظيمية وهو ما يجعل الاستخواذ العدائي أكثر تعقيداً في هذه الأسواق.
وفي المقابل في العديد من الأسواق الناشئة مثل بعض الدول العربية لا تزال الأطر القانونية أقل وضوحاً أو حتى أقل تطوراً مما يفتح الباب أمام جدل واسع حول شرعية هذه الممارسات، ففي هذه البيئات قد تتحول الصفقة إلى ساحة نزاع قانوني طويل الأمد أو حتى إلى أزمة إعلامية تؤثر على سمعة الأطراف المعنية. إذاً من الناحية القانونية يمكن القول أن الاستحواذ العدائي يسير على خيط رفيع بين الشرعية والجدل حيث يلتزم بالقوانين من جهة لكنه يستغل الثغرات من جهة أخرى.
لماذا تلجأ الشركات إلى هذه الخطوة الجريئة؟ وما الذي يدفعها للمخاطرة؟
قد يبدو الاستحواذ العدائي للوهلة الأولى خطوة محفوفة بالمخاطر بل مغامرة قد تكلف الشركة المستحوذة مليارات الدولارات وتعرضها لانتقادات إعلامية وضغوط قانونية. يمكن أن نلخص هذه الأمور في عدة دوافع:
الدافع الأول: النمو السريع والسيطرة على السوق:
في عالم الأعمال: الوقت يساوي المال وأحياناً يساوي النفوذ. النمو الطبيعي للشركات غالباً ما يكون بطيئاً ويحتاج إلى سنوات من الاستثمار والتطوير والابتكار، لكن في عالم الأعمال الحديث فالوقت تماماً يساوي النفوذ. تدرك الشركات أن المنافسة الشرسة لا تمنحها رفاهية استهلاك كل هذا الوقت خصوصاً في القطاعات التي تتغير بسرعة كالتكنولوجيا والأغذية. الاستحواذ العدائي هنا يصبح وسيلة لتجاوز مراحل طويلة من التوسع التدريجي والانتقال مباشرة إلى موقع قيادي في السوق.
عندما تستحوذ شركة على منافس قوي فإنها لا تشتري أصوله فقط بل تشتري حصته السوقية وعملاءه وقوته التنافسية مما يمنحها ميزة يصعب تحقيقها عبر النمو الطبيعي. هذه الخطوة قد تكون حاسمة في مواجعة منافسين عالميين أو دخول أسواق جديدة بسرعة قياسية.
هذا ما حدث في قطاع الأغذية عندما حاولت شركة Kraft Foods الاستحواذ على Cadbury، لم يكن الهدف مجرد إضافة منتجات الشوكولاتة إلى محفظتها بل السيطرة على سوق الحلويات العالمي. هذه الصفقة التي بلغت قيمتها أكثر من 19 مليار دولار عام 2010 منحت Kraft قوة هائلة في الأسواق الأوروبية والآسيوية وهو ما لم يكن ممكناً عبر النمو التدريجي.
أيضاً عندما استحوذت Amazon على سلسلة Whole Foods عام 2017 مقابل 13.7 مليار دولار، كان الهدف هو القفز مباشرة إلى سوق التجزئة الغذائية التقليدية والسيطرة على قطاع لم تكن Amazom لاعباً رئيسياً فيه سابقاً.
الدافع الثاني: الوصول إلى التكنولوجيا والابتكار:
في عصر الرقمنة: التكنولوجيا هي سلاح الشركات للبقاء في الصدارة. تدرك الشركات أن تطوير تقنيات جديدة داخلياً من الصفر سيستغرق وقتاً طويلاً وربما لا يحقق النجاح الذي حققته الشركات الناشئة الشابة المتخصصة. لذلك الاستحواذ العدائي سيصبح خياراً جذاباً عندما ترفض الشركة المستهدفة البيع طوعاً خاصةً إذا كانت تمتلك تقنيات ثورية أو قاعدة مستخدمين ضخمة.
هذه الخطوة ليست مجرد شراء منتج بل شراء المستقبل لأن التكنولوجيا اليوم تحدد من يبقى في القمة ومن يخرج من السباق. الشركات التي تتأخر في تبني الابتكار قد تجد نفسها خارج المنافسة خلال سنوات قليلة لذلك تلجأ إلى الاستحواذ كحل سريع وحاسم.
لا نزال نتذكر صفقة استحواذ Facebook على WhatsApp عام 2014 مقابل 19 مليار دولار فهذه الصفقة تكن مجرد شراء تطبيق مراسلة بل كانت خطوة استراتيجية للحصول على قاعدة مستخدمين ضخمة وتقنية متطورة في التشفير والاتصال الفوري. لو حاولت فيسبوك تطوير خدمة مشابهة من الصفر لكان الأمر استغرق سنوات وربما لم يحقق نفس النجاح.
استحوذت شركة Google على Nest Labs سنة 2014 مقابل 3.2 مليار دولار لأن Nest امتلكت تقنيات متقدمة في أجهزة المنزل الذكي، ما منح Google تفوقاً في قطاع إنترنت الأشياء.
الدافع الثالث: تعزيز القوة المالية والتفاوضية:
الاستحواذ العدائي يمنح الشركات قوة تفاوضية أكبر أمام الموردين والعملاء وحتى الحكومات. السيطرة على منافس يعني امتلاك حصة سوقية أكبر وبالتالي القدرة على فرض شروط أفضل سواء في عقود التوريد أو في الأسعار النهائية للمستهلكين. هذه القوة لا تقتصر على الجانب المالي فقط بل تمتد إلى النفوذ السياسي والاقتصادي تصبح الشركة المستحوذة لاعباً رئيسياً في السوق قادراً على التأثير في القرارات التنظيمية وحتى في اتجاهات الصناعة ككل.
في قطاع الطيران عندما استحوذت American Airlines على US Airways لم يكن الهدف فقط زيادة عدد الطائرات بل تعزيز القوة التفاوضية أمام الموردين والمطارات مما منح الشركة قدرة أكبر على التحكم في الأسعار والخدمات.
أيضاً عندما استحوذت شركة Disney على 21st Century Fox في 2019 مقابل 71 مليار دولار عززت قوتها التفاوضية في سوق الإعلام والترفيه وأصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله أمام شركات البث مثل Netflix.
الدافع الرابع: استغلال الفرص في الأزمات:
الأزمات الاقتصادية تخلق فرصاً ذهبية للمستحوذين الجريئين. عندما تتعرض شركة لضغوط مالية أو انخفاض في قيمتها السوقية فإنها تصبح هدفاً مغرياً للاستحواذ العدائي. هذه اللحظة تعتبر مثالية للمستحوذ الذي يمتلك سيولة قوية لأنه يرى في هذه اللحظة فرصة لشراء أصول قيّمة بسعر منخفض حتى لو كان ذلك ضد رغبة الإدارة وباستطاعته شراء أصول قيّمة بسعر منخفض ثم إعادة هيكلة الشركة لتحقيق أرباح ضخمة لاحقاً.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في الأزمات العالمية حيث تتحول الشركات المتعثرة إلى أهداف سهلة، بينما المستحوذون يرون فيها فرصة لا تعوض.
خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 شهدنا موجة من الاستحواذات العدائية أبرزها محاولة InBev الاستحواذ على Anheuser-Busch الشركة الأمريكية العملاقة في صناعة البيرة مقابل 52 مليار دولار. الصفقة تمت في وقت كانت فيه الأسواق مضطربة مما سمح لـ InBev بالحصول على أصول قيّمة بسعر أقل مما كان ممكناً في الظروف العادية.
وخلال جائحة كورونا، قامت شركة ZoomInfo بالاستحواذ على عدة شركات بيانات كانت قيمتها منخفضة لتستغل الظروف وتوسع خدماتها بسرعة كبيرة في سوق إدارة البيانات.
الدافع الخامس: التخلص من المنافسة الشرسة:
في عالم الأعمال، ليست المنافسة دائماً صحية من وجهة نظر الشركات العملاقة فعندما يظهر منافس قوي يهدد حصة الشركة في السوق أو يبتكر حلولاً قد تغير قواعد اللعبة تصبح المواجهة المباشرة مكلفة وطويلة الأمد. هنا يظهر خيار الاستحواذ العدائي كحل جذري فبدلاً من الدخول في حرب أسعار أو إنفاق مليارات على التسويق تختار الشركة شراء المنافس والسيطرة عليه بالكامل. هذه الاستراتيجية لا تقتصر على القضاء على المنافس فحسب بل تمنح الشركة المستحوذة فرصة لدمج التقنيات والخبرات التي يمتلكها المنافس وتحويل التهديد إلى قوة إضافية.
مثالاً على ذلك محاولة شركة Oracle الاستحواذ على PeopleSoft في أوائل الألفية الحالية فقد كانت واحدة من أكثر المعارك شهرة في عالم البرمجيات فشركة PeopleSoft كانت منافساً قوياً في سوق تطبيقات الأعمال ورفضت عروض Oracle مراراً وتكراراً مما دفع الأخيرة إلى تقديم عروض عدائية مباشرة للمساهمين. تضمنت المعركة هجوماً عدائياً وعروض شراء مباشرة وحرباً إعلامية وطعوناً قانونية وصلت إلى المحكمة الفيدرالية، كل ذلك قبل أن تنتهي الصفقة بقيمة 10.3 مليار دولار.
أيضاً استحوذت شركة Microsoft على LinkedIn في 2016 مقابل 26 مليار دولار جزئياً للسيطرة على قاعدة بيانات مهنية ضخمة كان يمكن أن تتحول إلى منافس مستقبلي لأنظمة مايكروسوفت السحابية.
الدافع السادس: تعزيز التنوع الجغرافي:
الاعتماد على سوق واحد يشكل مخاطرة كبيرة لأي شركة خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية أو التغيرات السياسية، لذلك تسعى الشركات إلى تنويع وجودها الجغرافي لضمان الاستقرار والنمو. الاستحواذ العدائي هنا يصبح وسيلة سريعة لدخول أسواق جديدة دون الحاجة إلى بناء شبكة من الصفر. هذه الخطوة تمنح الشركة المستحوذة قاعدة عملاء جديدة وفهماً أعمق لثقافة السوق المحلي وأحياناً وصولاً إلى موارد طبيعية أو بنية تحتية يصعب الحصول عليها بطرق أخرى.
كانت صفقة Vodafone للاستحواذ على Mannesmann عام 2000 بقيمة 180 مليار دولار ليست مجرد صفقة اتصالات كانت خطوة استراتيجية لتوسيع نفوذها في أوروبا. اعتبرت هذه الصفقة حينها الأكبر في تاريخ الشركات حيث منحت Vodafone وصولاً إلى أسواق جديدة ورسخت مكانتها كأكبر شركة اتصالات في العالم في ذلك الوقت.
أيضاً استحوذت شركة Walmart على Flipkart الهندية عام 2018 مقابل 16 مليار دولار لتوسيع وجودها في آسيا والدخول في سوق التجارة الإلكترونية الهندية سريعة النمو.
الدافع السابع: بناء قوة استراتيجية طويلة الأمد:
بعض الشركات لا تفكر فقط في الأرباح الفورية بل في تشكيل تكتلات اقتصادية ضخمة تضمن لها البقاء لعقود. الاستحواذ العدائي قد يكون جزءاً من خطة طويلة الأمد لتوحيد الموارد، تقليل التكاليف وزيادة القدرة على مواجهة التغيرات العالمية مثل تقلبات أسعار الطاقة أو التحولات التكنولوجية. هذه الاستراتيجية غالباً ما تراها في الصناعات الثقيلة مثل النفط والطاقة حيث تتطلب المنافسة استثمارات هائلة وقدرة على الصمود أمام الأزمات.
استحواذ Exxon على Mobil عام 1999 لم يكن مجرد صفقة نفطية بل خطوة لتشكيل عملاق عالمي قادر على مواجهة تقلبات أسعار النفط والتحديات البيئية. الصفقة التي بلغت قيمتها 81 مليار دولار خلقت واحدة من أكبر شركات الطاقة في العالم وأعادت رسم خريطة صناعة النفط لعقود.
أيضاً استحوذت شركة Berkshire Hathaway المملوكة لوارن بافيت على شركة BNSF Railway تدريجياً (وهي أكبر شركة سكك حديد في أمريكا) بهدف بناء أصول استراتيجية طويلة الأمد تضمن استقرار الأرباح لعقود.
كيف تُخاض معركة الاستحواذ؟
الحقيقة هي أن الاستحواذ العدائي لا يحدث فجأة بل يمر بسلسلة من الخطوات المتصاعدة حيث يحاول المستحوذ التغلغل ببطء داخل الشركة المستهدفة يضغط بقوة حين تحين اللحظة المناسبة. وفي كل خطوة تُستخدم أدوات وأساليب قد تبدو هادئة من الخارج لكنها في جوهرها أشبه بأسلحة استراتيجية. قد ينتصر المستحوذ أو قد تنجح الشركة المستهدفة في الدفاع عن نفسها لكن المؤكد أن معركة الاستحواذ العدائي تظل واحدة من أكثر المعارك تعقيداً في عالم المال. الأمر أشبه بعملية حصار طويلة الأمد حيث يقترب المستحوذ خطوة بعد خطوة من أسوار الشركة المستهدفة مراقباً نقاط ضعفها ومختبراً صبر إدارتها قبل أن يبدأ الهجوم الحاسم الذي قد يغيّر مصير الطرفين بالكامل.
يمكن تلخيص خطواتها في عدة أساليب:
الأسلوب الأول: شراء الأسهم من السوق المفتوحة، الهجوم الهادئ الذي يباغت الجميع:
يبدأ المستحوذ في كثير من الأحيان بـ شراء أسهم الشركة المستهدفة بهدوء ودون إثارة الانتباه. تتم هذه العملية على مراحل، وبأسماء شركات وسيطة أحياناً حتى لا تنكشف النوايا الحقيقية مبكراً، وحين يصل المستحوذ إلى نسبة ملكية مؤثرة — 5٪ أو 10٪ أو أكثر — يُجبر قانونياً على الإفصاح وهنا تبدأ العاصفة. هذا الأسلوب قد يباغت مجلس الإدارة خاصة إذا كانت الشركة المستهدفة مستقرة ولا تتوقع أي هجوم.
في عام 2012، بدأ المستثمر المعروف Carl Icahn بشراء أسهم شركة Netflix بشكل صامت خلال انخفاض سهم الشركة بعد خسائر تشغيلية واسعة، وفي لحظة الإفصاح ظهر أنه أصبح يمتلك 10٪ من أسهم الشركة وهو ما منحَه قوة تصويتية ضخمة. هذا الهجوم أربك إدارة Netflix التي وجدت نفسها فجأة أمام مستثمر ناشط لديه تاريخ طويل في فرض قراراته بالقوة.
هذا المثال الأشهر يوضح كيف يمكن للهجوم الصامت أن يهزّ شركة كبيرة بمجرد إعلان واحد.
الأسلوب الثاني: عروض الشراء المباشرة للمساهمين، تجاوز الإدارة والذهاب مباشرة إلى قلب القوة:
عندما تفشل المحاولات الهادئة ينتقل المستحوذ إلى خطوة جريئة: تقديم عرض شراء مباشر للمساهمين يسمى Tender Offer. هنا يتجاوز الإدارة كلياً ويخاطب أصحاب القرار الحقيقيين: المساهمين. يقدم لهم سعراً أعلى من سعر السوق لإغرائهم بالبيع، مما يضع المجلس تحت ضغط كبير. هذه الخطوة غالباً ما تكون لحظة انفجار الصراع يجد مجلس الإدارة نفسه محاصراً بين الرأي العام والمساهمين والمستحوذ.
في عام 2010، حاولت شركة Sanofi-Aventis الفرنسية الاستحواذ على شركة Genzyme الأمريكية المتخصصة في التقنيات الدوائية وبعد تجاهل العديد من عروض التفاوض الودية لجأت Sanofi إلى تقديم عرض شراء مباشر للمساهمين بقيمة 69 مليار دولاروتحت ضغط العرض المرتفع وتوقعات السوق، بدأ المساهمون بالضغط على إدارة Genzyme مما أدى في النهاية إلى قبول الصفقة.
يُعد هذا الأسلوب من أكثر الأساليب عدائية لأنه يضع الإدارة في موقف دفاعي بشكل مفاجئ وغير متوقع ويكشف انقسام المساهمين ويحوّل الصراع إلى سباق مع الزمن من أجل تدارك الموقف.
الأسلوب الثالث: الضغط الإعلامي، حين تتحول البورصة إلى مسرح للرأي العام:
في معارك الاستحواذ العدائي، الإعلام ليس مجرد أداة جانبية بل سلاح حقيقي فالمستحوذ قد يستخدم المؤتمرات الصحفية والتصريحات العلنية وحتى المنشورات الإلكترونية للضغط على الشركة المستهدفة أمام المستثمرين والجمهور فالهدف هنا هو خلق صورة سلبية عن الإدارة الحالية وإظهار المستحوذ كمنقذ محتمل. هذا السلاح قد يغيّر رأي المساهمين بسرعة إذا كانوا يعتقدون أن الشركة تحتاج إلى تغيير جذري.
أحد أشهر الصراعات الإعلامية كان خلال محاولة Carl Icahn الاستحواذ على شركة Yahoo! عام 2008 حين رفضت شركة Yahoo! عرض الاستحواذ من Microsoft خرج آيكان في سلسلة من التصريحات الإعلامية يتّهم فيها الإدارة بسوء التقدير ودعا إلى إقالة مجلس الإدارة بالكامل. بسبب الضغط الإعلامي الذي مارسه آيكان فقد جعل أسهم الشركة تهتز وجعل المساهمين يشككون في قدرة الإدارة على اتخاذ القرار الصحيح.
الأسلوب الرابع: كسب دعم المستثمرين الكبار، بناء حلفاء من داخل القلعة:
في بعض الأحيان، لا يكفي شراء الأسهم أو اللجوء للإعلام حيث يلجأ المستحوذ إلى إقناع مستثمرين كبار — مثل صناديق التحوط وصناديق التقاعد — بالانضمام إليه وهؤلاء المساهمون يمتلكون قوة كبيرة في التصويت وبالتالي يمكنهم تغيير موازين القوى خلال اجتماعات المساهمين. هذا الأسلوب يشبه تكوين "تحالف داخلي" داخل الشركة المستهدفة.
خلال محاولة الاستحواذ على شركة Heinz، قام تحالف Berkshire Hathaway بقيادة وارن بافيت مع صندوق الاستثمار 3G Capital ببناء شبكة واسعة من الاتفاقيات مع مستثمرين كبار داخل الشركة. هذا التحالف كان من أقوى القوى التي أدت في النهاية إلى نجاح السيطرة على Heinz مقابل 28 مليار دولار عام 2013.
الأسلوب الخامس: الطعن القانوني، القتال على أرض المحاكم:
إذا اشتدت المعركة، قد يلجأ المستحوذ — أو الشركة المستهدفة — إلى القضاء. يُستخدم هذا السلاح غالباً للطعن في شرعية قرارات مجلس الإدارة التي تهدف إلى منع الاستحواذ، أو للمطالبة بحقوق التصويت. المعركة في المحكمة قد تطيل عمر الصراع أو تعجّل نهايته، لكنها بالتأكيد تضيف طبقة جديدة من التعقيد والتوتر.
أشهر مثال هنا هو صراع Oracle ومحاولتها الاستحواذ على PeopleSoft (2003–2004). كانت PeopleSoft متشبثة بسيطرتها ورفضها للصفقة وبدأت بسلسلة إجراءات دفاعية لإفشال الاستحواذ وردّت Oracle بدعاوى قضائية في محكمة فيدرالية تتهم الشركة المستهدفة بخرق "واجب الأمانة" تجاه المساهمين. بسبب ذلك، استمر الصراع القانوني أكثر من 18 شهراً قبل أن تتم الصفقة أخيرًا مقابل 10.3 مليار دولار.
من Twitter إلى Cadbury و Kraft: كيف تحولت صفقات الاستحواذ إلى قصص مثيرة؟
عندما نتحدث عن الاستحواذات فإن بعضها يمر بهدوء وكأنه صفقة عادية لا يشعر بها أحد، لكن هناك صفقات أخرى تتحول إلى عناوين رئيسية في الصحف ومحتوى دائم في القنوات الاقتصادية ومادة للنقاش بين المستثمرين والخبراء. هذه ليست مجرد عمليات شراء بل هي قصص درامية كاملة فيها مفاوضات متقلبة وتصريحات نارية وحروب إعلامية وأحياناً صراعات قانونية تمتد لسنوات.
ولعل أبرز مثال حديث — وربما الأشهر في تاريخ التكنولوجيا — هو قصة استحواذ إيلون ماسك على تويتر. قصة لا يمكن وصفها إلا بأنها مزيج من الجنون والذكاء والمفاجآت. قصةً بدأت بتغريدة وانتهت بصفقة بـ 44 مليار دولار.
قصة Twitter: حين تحولت التغريدة إلى عاصفة مالية
بدأت القصة بطريقة غير تقليدية على الإطلاق ففي أوائل عام 2022 بدأ إيلون ماسك بشراء أسهم تويتر بهدوء ودون إعلان. كان يشتري ملايين الأسهم يومياً حتى أصبح أكبر مساهم فردي في الشركة متجاوزاً مؤسسيها ورؤساءها التنفيذيين السابقين، وعندما وصل إلى نسبة 9.2٪ اضطر للإفصاح القانوني وهنا انفجرت القصة ففور الإعلان عن ملكيته الضخمة تلقى ماسك عرضاً للانضمام إلى مجلس إدارة تويتر لكن ماسك رفض وبدلاً من ذلك فقد فجر قنبلة: "أريد شراء تويتر بالكامل".
لم يكن رد مجلس إدارة تويتر ودياً فعلى الفور أطلق المجلس ما يشبه "إعلان الحرب" حيث استخدم Twitter استراتيجية دفاعية شرسة تسمى حبوب السم (Poison Pill) وهي آلية تمنع أي مستحوذ من تجاوز نسبة معينة من الملكية من خلال منح باقي المساهمين الحق في شراء الأسهم بسعر منخفض مما يجعل تكلفة الاستحواذ ترتفع بشكل هائل إلى درجة مستحيلة. بعبارة أخرى، كان مجلس إدارة تويتر يقول لماسك: "لن تحصل علينا بهذه السهولة".
لكن إيلون ماسك لم يتراجع بل زاد الضغط على المجلس عبر التصريحات الإعلامية والتغريدات المثيرة وانتقادات علنية لإدارة تويتر وطرح أسئلة عن حرية التعبير وسياسة المنصة. كان يستخدم الإعلام والجماهير كأداة ضغط وكأنه يدير المعركة أمام ملايين المتابعين. المفاجأة هي أنه في منتصف 2022 أعلن ماسك انسحابه من الصفقة بحجة أن تويتر لم يفصح عن بيانات الروبوتات والحسابات الوهمية. هذا القرار صدم الأسواق وتراجع سهم تويتر بشكل حاد.
هنا تويتر لم يقف مكتوف الأيدي، بل توجه مباشرة إلى القضاء الأمريكي لإجبار ماسك على تنفيذ الصفقة معتبرةً أن انسحابه غير قانوني. ولكن بعد معركة قانونية محمومة وتوقعات بكشف الكثير من أسرار تويتر في جلسات المحكمة، قرر ماسك فجأة الالتزام بالصفقة قبل أيام من جلسة الحسم. وهكذا في أكتوبر 2022 أصبح إيلون ماسك مالكاً لتويتر رسمياً مقابل 44 مليار دولار، في واحدة من أكثر الصفقات إثارة وجدلاً في القرن الحالي.
قصة Cadbury و Kraft: معركة شوكولاتة بنكهة الاقتصاد
على الجانب الآخر من التكنولوجيا، كانت هناك قصة أخرى لا تقل إثارة: قصة استحواذ Kraft الأمريكية على Cadbury البريطانية. إن Cadbury ليست مجرد شركة شوكولاتة بل رمز بريطاني عمره أكثر من 180 عاماً وكانت هذه الرمزية سبباً في رفض مجلس إدارتها لأي عروض استحواذ أمريكية.
بدأت Kraft بالمفاوضات الودية لكن Cadbury رفضت، معتبرة أن العرض المالي "مهين" فانتقلت Kraft إلى الهجوم العدائي من خلال عروض مباشرة للمساهمين وحملة إعلامية تظهر فيها Cadbury كشركة "تحتاج تحديثاً" بالإضافة إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والسوقية المتتابعة. وبعد معركة طويلة، اضطر مساهمو Cadbury للقبول تحت ضغط السعر المرتفع. وفي 2010، تمت صفقة استحواذ Kraft بقيمة 19 مليار دولار رغم الغضب الشعبي البريطاني.
محاولة مايكروسوفت الاستحواذ على ياهو: الصفقة التي كادت تغيّر تاريخ الإنترنت
في عام 2008، كانت شركة Yahoo! تعيش واحدة من أصعب مراحلها حيث كانت تفقد حصتها السوقية أمام منافسين شرسين مثل Google، أما Microsoft فكانت مضغوطة بحقيقة أن محرك بحثها MSN لم يكن يحقق النجاح المطلوب وأنها بحاجة إلى اختراق قوي في عالم الإنترنت. عندها قررت مايكروسوفت اتخاذ خطوة جريئة، خطوة كانت ستغير طبيعة الإنترنت إلى الأبد: محاولة الاستحواذ على ياهو مقابل 44.6 مليار دولار.
في 31 يناير 2008، تقدمت مايكروسوفت بعرض شراء رسمي لياهو بسعر 31 دولاراً للسهم وهو أعلى بكثير من قيمته السوقية. كان الهدف واضحاً: اندماج قوي يسمح لمايكروسوفت بمواجهة Google التي بدأت تتسيد عالم الإنترنت والإعلانات الرقمية، لكن رد فعل السوق كان صاروخياً فقد ارتفع سهم ياهو مباشرة بنسبة 50٪ في يوم واحد.
رفضت ياهو العرض معتبرة أن الشركة تستحق سعراً أعلى من ذلك وأن مايكروسوفت "تقلل من قيمة Yahoo!"، لكن كثيراً من المستثمرين لم يكونوا سعداء بهذا القرار خصوصاً أن وضع ياهو لم يكن مستقراً. بدأ يتشكل خلاف قوي بين المساهمين الغاضبين ومجلس الإدارة المتردد ومايكروسوفت التي بدأت ترفع سقف الضغط.
أعلنت مايكروسوفت علناً أن إدارة ياهو "غير واقعية" وأن رفضها العرض هو "ضرر مباشر للمستخدمين". في المقابل، حاول Jerry Yang مؤسس ياهو أن يقنع المساهمين بأن الشركة تستطيع النهوض وحدها وأن العرض لا يعكس قيمتها الحقيقية، لكن الحقيقة التي كان الجميع يراها هي أن ياهو كانت تتراجع عاماً بعد عام.
ظهر في وسط هذه الفوضى الملياردير الناشط Carl Icahn الذي بدأ بشراء أسهم ياهو ثم شنّ حرباً لإقالة مجلس إدارتها. كان هدفه واضحاً: إجبار ياهو على قبول عرض مايكروسوفت. وسط كل هذا فإن ياهو دخلت في دوامة اجتماعات طارئة وتغييرات في المجلس وصراع بين المساهمين والإدارة وخوف من انهيار الصفقة.
بعد أشهر من الضغط، أعلنت مايكروسوفت انسحابها النهائي من الصفقة وعلى إثر ذلك انخفض سهم ياهو بشكل كبير وبدأت الشركة رحلة طويلة من الانحدار انتهت ببيعها لاحقاً إلى شركة Verizon مقابل 4.8 مليار فقط، أي أقل من 10% من عرض مايكروسوفت الأصلي.
استحواذ Disney على 21st Century Fox: الصفقة التي أعادت تشكيل صناعة الترفيه
في عام 2017، كانت صناعة الترفيه تتغير بسرعة حيث كانت خدمات البث مثل Netflix بدأت تلتهم جمهور التلفزيون التقليدي واستوديوهات السينما كانت تبحث عن عوالم سينمائية جديدة. هنا قررت Disney أنها بحاجة إلى توسع ضخم لتبقى في الصدارة فاختارت هدفاً عملاقاً: شركة 21st Century Fox المملوكة لروبرت مردوخ.
في ديسمبر 2017، أعلنت ديزني عرضها البالغ 52.4 مليار دولار للاستحواذ على معظم أصول فوكس التي تشمل استديوهات السينما وشبكات FX و National Geographic وحقوق ملكية في Sky الأوروبية وحقوق تلفزيونية ضخمة أخرى وأهم شيء حقوق X-Men و Deadpool التي كانت ديزني بحاجة لها لتوسيع عالم Marvel السينمائي.
كان هذا العرض كافياً لإحداث صدمة في هوليوود فبعد أشهر من الهدوء النسبي دخلت Comcast فجأة إلى الساحة بعرض أعلى: 65 مليار دولار نقداً. هنا بدأت معركة حقيقية بين Disney و Comcast ومجلس إدارة Fox الذي كان عليه اتخاذ قرار مصيري. كان المستثمرون يميلون إلى العرض الأعلى Comcast لكن الإدارة رأت أن استراتيجية Disney طويلة الأمد أكثر ملاءمة.
لم ينتهِ الأمر هنا، في يونيو 2018 رفعت Disney عرضها إلى 71.3 مليار دولار. كان عرضاً لا يمكن تجاهله واعتُبر صفقة في تاريخ الإعلام المرئي لا تُعوّض، وكان كذلك بالفعل ففي مارس 2019 تمت الصفقة رسمياً واستحوذت ديزني على معظم أصول فوكس مما أدى إلى تعزيز مكتبتها السينمائية الهائلة وامتلاك حقوق شخصيات إضافية لصالح Marvel والسيطرة على محتوى هائل لمنصة Disney+ بالإضافة إلى توسيع نفوذها عالمياً في مجال البث والترفيه. الأمر أشبه بأن ديزني لم تشترِ شركة بل اشترت نصف تاريخ هوليوود بالكامل.
استحواذ Amazon على Zappos: قصة إنقاذ تحولت إلى علاقة شراكة مثالية
في منتصف العقد الأول من الألفية، كانت شركة Zappos، المتخصصة في بيع الأحذية عبر الإنترنت، واحدة من أنجح الشركات الناشئة في التجارة الإلكترونية، لكن رغم نموها السريع تواجه تحديات مالية ضخمة تتعلق بارتفاع تكلفة التخزين والشحن وإدارة المخزون. كان Jeff Bezos، المالك والمدير التنفيذي لشركة Amazon أن Zappos ليست مجرد متجر أحذية بل نموذج مبهر في خدمة العملاء.
وفي عام 2009 بدأت أمازون مفاوضات هادئة مع الشركة لبحث إمكانية الاندماج لكن المفاوضات لم تكن سهلة لأن إدارة Zappos كانت تخشى فقدان هويتها وثقافة عملها، وعلى ذلك وبدلاً من شراء الشركة نقداً فقد قدمت أمازون عرضاً بقيمة 1.2 مليار دولار من الأسهم — وهذا يعني أن الموظفين سيستفيدون على المدى الطويل إذا ارتفع سهم أمازون. كان هذا العرض خطوة ذكية لأنه أعطى الموظفين حافزاً وحافظ على ثقافة Zappos ولم يفرض أي تغييرات قسرية بل ضم الشركة تحت مظلة أمازون بطريقة سلسة.
وافقت Zappos في النهاية لكن اتفاقها مع أمازون كان مختلفاً عن معظم الاستحواذات حيث ظلت مستقلة إدارياً وحافظت على ثقافتها الفريدة واحتفظ مؤسسها Tony Hsieh بإدارة الشركة وأصبحت Zappos جزءاً من إمبراطورية أمازون دون أن يتم سحقها أو تغييرها. كانت النتيجة هي استمرار نجاح Zappos لسنوات طويلة وأصبحت مثالاً عالمياً على "الاستحواذ الذكي" الذي يحافظ على روح الشركة المستهدفة، وفي الوقت نفسه استفادت أمازون من توسيع شبكة الشحن ودعم خبرتها في التجارة الإلكترونية واكتساب إحدى أفضل ثقافات خدمة العملاء في العالم.
الاستحواذ العدائي ... بين النجاح المذهل والانهيار المحتمل
الاستحواذ العدائي ليس مجرد معركة بين شركتين بل إنه نقطة تحول قد تغيّر مصير شركة كاملة: إما نحو النجاح والصعود أو نحو الانهيار والفوضى. وفي هذه المعارك غالباً لا توجد منطقة رمادية فإما أن تكتب الشركة قصة نجاح مذهلة أو تصبح مثالاً كلاسيكياً للأخطاء الاستراتيجية.
لفهم هذه الثنائية علينا أن ندرك أن الاستحواذ العدائي هو سيف ذو حدين يحمل فرصاً هائلة للمستحوذ عندما تُدار العملية بذكاء لكنه يفتح أيضاً أبواباً لمخاطر قد تكون مدمرة للشركتين معاً — المستحوذ والمستهدَف.
أولاً: الفرص الكبرى التي قد يولّدها الاستحواذ العدائي
الاستحواذ العدائي قد يكون فرصة ذهبية للشركات الطموحة ويحقق نتائج مذهلة إذا تمت العملية ضمن خطة محكمة. الفرص هنا متعددة وقد غيّرت مسار شركات أصبحت اليوم عمالقة عالمية، نستعرض بعضاً منها:
1) فرصة دمج الموارد وتقوية النفوذ في السوق:
عندما ينجح الاستحواذ العدائي يحصل المستحوذ على كل ما يمتلكه الهدف، على سبيل المثال لا الحصر: أصوله، علامته التجارية، تقنياته، موظفيه، عملائه، شبكاته التجارية،... وهذا يعطي الشركة قوة ضخمة يمكن أن تنقلها بسرعة إلى مستوى جديد من المنافسة العالمية.
بالرجوع إلى قصة استحواذ شركة Oracle على PeopleSoft فالأمر لم يكن مجرد عملية استحواذ بل كان انقلاباً في عالم البرمجيات، ورغم شراسة المعركة فإن Oracle استفادت من هذا الاستحواذ أنها عززت مكانتها كشركة رائدة في حلول البرمجيات وتوسعت في قطاع تخطيط موارد المؤسسات ERP وحصلت على قاعدة عملاء هائلة والأهم من كل ذلك هو أنها ضمنت دخولها أسواقاً لم تكن تسيطر عليها سابقاً.
كانت الصفقة خطوة جريئة نقلت Oracle إلى مستوى يفوق منافسيها مثل SAP في قطاعات معينة وأثبتت أن النجاح بعد معركة عدائية ممكنٌ بل ومربح جداً.
2) فرصة معالجة سوء الإدارة في الشركات المستهدفة:
كثير من الشركات التي تتعرض لاستحواذ عدائي تعاني من إدارة سيئة وبطء في اتخاذ القرار وخسائر متراكمة وهياكل بيروقراطية معقدة، وعندما يأتي المستحوذ برؤية جديدة فإنه يقوم بإعادة إحيائها وبنائها من الصفر، مثلما حدث مع شركة الطيران Continental Airlines في ثمانينات القرن الماضي فعندما كانت على وشك الإفلاس تعرضت لاستحواذ عدائي من المستثمر Frank Lorenzo، وبالرغم من الجدل حول أسلوبه فإنه أعاد هيكلة الشركة بالكامل واستغنى عن مئات الوظائف وأعاد التفاوض على العقود وأغلق مسارات غير مربحة. أدت هذه الإجراءات إلى جعل الشركة تربح من جديد مما جعل هذه الصفقة تُدرّس اليوم كمثال على كيف يمكن للاستحواذ العدائي أن ينقذ شركة كانت تحتضر.
3) فرصة تحقيق وفورات ضخمة في التكاليف:
الاستحواذ العدائي يسمح للمستحوذ بتحقيق ما يسمى "وفورات الحجم" — أي تقليل التكاليف بنسبة كبيرة بعد دمج العمليات. هذه الوفورات تأتي من دمج الأقسام وتوحيد البنية التحتية وإلغاء الوظائف المتكررة وتحسين سلاسل التوريد وزيادة قوة التفاوض مع الموردين.
حين استحوذت Exxon على Mobil عام 1999 بقيمة 81 مليار دولار، كانت أكبر صفقة طاقة في التاريخ. ورغم تعقيد الاندماج، فإن الشركة الجديدة ExxonMobil حققت وفورات تشغيلية بأكثر من 7 مليارات دولار خلال 3 سنوات وأصبحت أكبر شركة طاقة في العالم وسيطرت على منافذ إضافية للإنتاج والتنقيب وضاعفت نفوذها في أسواق آسيا وأفريقيا.
ثانياً: المخاطر الكبيرة التي قد تتحول إلى كوارث مالية وإدارية
على الجانب الآخر، هذه المعارك تحمل مخاطر قد تكون مدمرة، وتؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية تقلب الطاولة على المستحوذ.
1) المخاطر المالية الضخمة، حين تتحول الصفقة إلى عبء قاتل:
الاستحواذ العدائي غالباً يحتاج إلى تمويل كبير وقد تضطر الشركة المستحوذة إلى الاستدانة المفرطة وإصدار أسهم جديدة ورهن أصولها، هذا يعني مخاطر مالية قد تؤدي إلى انهيار الشركة إذا لم تتمكن من تحقيق أرباح كافية بعد الاستحواذ، تماماً كما حدث في محاولة استحواذ RJR Nabisco.
في أواخر الثمانينات/ كانت RJR Nabisco هدفاً لمعركة استحواذ عدائي شرسة أدت إلى أكبر صفقة LBO في التاريخ بقيمة 25 مليار دولار، ولكن النتيجة كانت كارثية تمثلت في ديون هائلة وانهيار قيمة الأسهم وبيع العديد من الأصول وصراع داخلي دام لسنوات. لاحقاً، أصبحت هذه القصة كتاباً شهيراً بعنوان "Barbarians at the Gate" وتُعتبر المثال الأبرز على خطورة المبالغة في الاستحواذ العدائي.
2) المخاطر الإدارية، فقدان الموظفين وتدمير الثقافة:
الاستحواذ العدائي غالباً يؤدي إلى استقالات جماعية وخروج الخبرات الرئيسية وانهيار الثقافة الإدارية وصراع داخلي بين فرق العمل، وكل هذا ينعكس على الإنتاجية، كما في قصة استحواذ HP على Compaq حيث كانت من أكثر الصفقات جدلاً في عالم التكنولوجيا بسبب ما حدث فور إتمام الصفقة حيث غادر آلاف الموظفين وتضاربت ثقافات العمل وحدثت انقسامات داخل مجلس الإدارة نفسه واعتبر كثيرون الصفقة "خطأً استراتيجياً". وحتى اليوم لا يزال المحللون يرون أن هذه الصفقة أصعفت HP بدل تقويتها.
3) المخاطر القانونية والتنظيمية، حين يُسقط القانون المستحوذ:
أحياناً لا تتعلق المخاطر بالمال، بل بالعقوبات الحكومية أو منع الصفقة بالكامل حيث أن هيئات مكافحة الاحتكار قد تمنع أي صفقة تؤثر على المنافسة الحرة، تماماً كما حدث مع شركة Nvidia في محاولتها للاستحواذ على ARM ففي عام 2020 أعلنت Nvidia رغبتها في الاستحواذ على ARM مقابل 40 مليار دولار، ولكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابات رفضوا جميعاً الصفقة لأنها ستخلق احتكاراً في سوق الشرائح والمعالجات. وبعد عامين انهارت أكبر صفقة تكنولوجية في التاريخ بسبب القوانين فقط.
ختاماً، يكشف عالم الاستحواذات العدائية عن وجه غير مرئي من عالم الأعمال؛ وجه يمزج بين الطموح والقوة، وبين الجرأة والمخاطرة. هذه الصفقات ليست مجرد أرقام تُكتب في البيانات المالية بل هي تحولات استراتيجية تعيد رسم خريطة الشركات والأسواق والدول أحياناً. رأينا كيف يمكن للاستحواذ العدائي أن يُنقذ شركة كانت على وشك الانهيار، وأن يخلق عملاقاً قادراً على المنافسة لعقود، كما حدث مع اندماجات كبرى في عالم التكنولوجيا والطاقة، ورأينا أيضاً كيف يمكن أن ينقلب السحر على الساحر، وكيف تتحول بعض محاولات الاستحواذ إلى عبء مالي ضخم أو صراع قانوني يستهلك الوقت والموارد ويترك خلفه آثاراً طويلة الأمد.
وما بين صفقات نجحت وغيّرت شكل الصناعات، وصفقات تعثرت وانتهت بخسائر ثقيلة، يبقى الاستحواذ العدائي جزءاً أساسياً من ديناميكية الاقتصاد الحديث وعنصراً يعيد تشكيل القوة والنفوذ داخل الأسواق الدولية.
المصادر:
- صفقة تويتر – استحواذ إيلون ماسك:
— https://www.nytimes.com/2022/10/27/technology/elon-musk-twitter-deal-complete.html
— https://www.bbc.com/news/business-61222470
— https://www.sec.gov/Archives/edgar/data/0001418091/ - صفقة Cadbury – استحواذ Kraft:
— https://www.theguardian.com/business/2010/jan/19/cadbury-kraft-takeover-timeline
— https://www.ft.com/content/1cb06d30-332f-11e1-a51e-00144feabdc0
- معركة Oracle و PeopleSoft:
— https://www.cnet.com/tech/services-and-software/oracle-makes-5-billion-peoplesoft-bid/
- محاولة استحواذ Microsoft على Yahoo:
— https://www.wsj.com/articles/SB124886852386589989
— https://edition.cnn.com/2008/TECH/02/01/microsoft.yahoo/index.html
- استحواذ Disney على 21st Century Fox:
— https://www.cnbc.com/2017/11/06/21st-century-fox-has-been-holding-talks-to-sell-most-of-company-to-disney-sources.html
— https://variety.com/2019/biz/news/disney-fox-deal-complete-1203167374/
- استحواذ Amazon على Zappos:
— https://techcrunch.com/2009/07/22/amazon-buys-zappos/
— https://www.linkedin.com/posts/jeffxnelson_video-from-jeff-bezos-about-amazon-and-zappos-activity-7246582846050426881-1vKt
- استحواذ Exxon على Mobil:
— https://en.wikipedia.org/wiki/ExxonMobil
— https://www.nytimes.com/1998/12/02/business/big-oil-overview-exxon-mobil-announce-80-billion-deal-create-world-s-largest.html
- محاولة فاشلة لاستحواذ Nvidia على ARM:
— https://www.reuters.com/technology/nvidias-40-bln-deal-arm-likely-set-lengthy-review-2021-08-20/
— https://www.reuters.com/technology/nvidia-preparing-abandon-acquisition-arm-bloomberg-news-2022-01-25/
- صفقة Heinz — تحالف Berkshire Hathaway و 3G Capital:
— https://www.cnbc.com/2013/02/14/berkshire-hathaway-3g-buying-heinz-for-233-billion.html
— https://news.kraftheinzcompany.com/press-releases-details/2013/Berkshire-Hathaway-and-3G-Capital-Complete-Acquisition-of-HJ-Heinz-Company/default.aspx
قد يثير انتباهك أيضاً:
- رحلة "صنع في الصين 2025".. من التقليد الرديء إلى الابتكار والريادة
- تمويل الدمار السوري: كيف استنزف بشار الأسد ثروات سوريا لتمويل بقائه؟
- حذف أصفار من العملة ... هل هي مجدية حقاً؟
- مجموعة بريكس ... ما هو مستقبل الدولار الأمريكي بعد توسعها؟
- اقتصاد كأس العالم .. ليست مجرد مباراة فحسب!
- الجمعة السوداء أو Black Friday ... أنفق كل ما ادخرته في هذا اليوم, ولكن؟
رمز QrCode الخاص بالخبر
التعليقات