هواوي .. حرب إقتصادية أم مخاطر تجسس لصالح الصين؟

img

هواوي .. حرب إقتصادية أم مخاطر تجسس لصالح الصين؟

لعل الخبر الأكثر انتشاراً في الأوساط العالمية كان إعلان الرئيسي الأمريكي دونالد ترامب أن شركة "هواوي Huawei" تهدد الأمن القومي الأمريكي وبناءً على ذلك فإن واشنطن منعتها من الفوز بعقود حكومية أمريكية من أجل تجهيزات شبكات الجيل الخامس 5G المتطورة وأدرجت الشركة في قائمة الحظر السوداء الأمريكية.

هذا الخبر لم يكن ليمر مرور الكرام بعد إعلان ترامب السابق فقد أعلنت شركة غوغل أنها ستوقف تزويد هواوي بتحديثات نظام التشغيل أندرويد وستمنعها من إمكانية تحميل واستخدام كافة تطبيقاتها على أجهزتها المستقبلية المقبلة.

وعلقت شركة "فيسبوك" إنها قررت منع العملاق الصيني "هواوي" من التثبيت المسبق لتطبيقات الشركة على هواتفها الذكية, أي أنّ تطبيقات فيسبوك بأنواعها لن تأتي مثبتة مسبقاً ويستوجب تنزيلها يدوياً.

وقالت فيسبوك لرويترز إن العملاء الذين لديهم بالفعل هواتف هواوي سيظلون قادرين على استخدام تطبيقاتها وتلقي التحديثات ولكن لن تتمكن الهواتف الجديدة من تثبيت تطبيقات فيسبوك وواتساب وأنستغرام مسبقاً.

يأتي ذلك بعد عدة أيام من إصدار وزارة التجارة الأمريكية ضوابط تضع شركة هواوي تكنولوجيز و 70 شركة تابعة لها إلى ما يطلق عليه "قائمة الكيانات" الخاصة بها، في خطوة تمنع شركة الاتصالات الصينية من الحصول على مكونات وتكنولوجيا من شركات أمريكية بدون موافقة مسبقة من الحكومة.

وحسب ما ذكرته صحيفة "تشاينا تايمز" الصينية، قد تؤدي الخطوة إلى تعطيل عمل شركة هواوي خارج الصين خاصةً وبالنظر إلى الأرقام وتحديداً إلى الربع المالي الأول من عام 2019 فقد باعت "هواوي" أكثر من 59 مليون هاتف ذكي حاصدةً بذلك المركز الثاني بحصّة 19% في السوق وهذا يُمثّل نسبة نمو تتجاوز 50٪ مُقارنة بالفترة نفسها من عام 2018. ولا يتفوّق على الشركة الصينية، من ناحية المبيعات سوى سامسونغ التي باعت أكثر من 71 مليون جهاز بنسبة نمو سالبة بلغت 8.1-%.

هذه الخطوات السريعة والمتعاقبة جاءت بعد حرب كلامية بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين حول اتهامات الولايات المتحدة لشركة الاتصالات الصينية بتهديد الأمن القومي من خلال ممارسة أعمال تجسسية، وهو ما قابلته الصين بالنفي والرفض القاطع للاتهام، مما طرح تساؤلات حول كون هذا التصعيد يقوده بالفعل مخاوف أمنية أم ورقة ضغط ضمن الحرب التجارية المشتعلة بين الاقتصادين الأكبر في العالم.





ما هو أصل الخلاف إذاً؟

تواصل السجال بين الصين وأمريكا في فرض رسوم متبادلة حتى جاء نبأ اعتقال السلطات الكندية منغ وانزهو، المديرة المالية ونجلة مؤسس شركة هواوي في 6 ديسمبر / كانون الأول 2018 بموجب مذكرة فيدرالية (والتي أفرج عنها لاحقاً بكفالة) وترحيلها إلى الولايات المتحدة للاشتباه بانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران بتوريد أجهزة اتصالات لها.

وكان لهذه الخطوة وقع سيئ على العلاقات الأمريكية الصينية حتى وجهت وكالة الاستخبارات الأمريكية إتهامات لهواوي بالحصول على تمويل من أمن الدولة الصيني ووجود علاقات توحي بأن معدات شركة هواوي قد تحتوي على "أبواب خلفية" في شبكات آمنة لاستخدام الجواسيس الصينيين.

وفي الجانب المقابل، فإن الصين ترى أن هذا الاعتقال هو تحذير أميركي بأن كل الأسلحة قابلة للاستخدام في الحرب الاقتصادية، لا سيما أن «هواوي» مقبلة على مشاريع عالمية في إنشاء شبكات الجيل الخامس حول العالم أي أن تعطيل الشركة يشكل ضرراً لا يستهان به للصين.

وعلى الرغم من نفي عملاق الاتصالات الصيني هذه الاتهامات, إلا أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حذر من مخاطر استخدام أنظمة لتكنولوجيا متصلة بشكل وثيق بمشاريع مملوكة للحكومة لها صلات بالصين.

ولم تقتصر أمريكا على فرض عقوبات على هواوي بل تحاول أن تتخذ الدول الأوروبية نفس النهج في محاولة لتتضيق الخناق على الشركة الصينية وهو ما أعلنه وزير الخارجية الأمريكية بومبيو بأنه يعمل على إقناع الاتحاد الأوربي بتجنب تبني نظام هواوي تكنولوجيز وأن الولايات المتحدة لن تكون شريكا أو تتبادل المعلومات مع الدول التي تتبنى هذا النظام.

ولكن اللافت في الأمر أن الدول الأوروبية الكبرى تجاهلت التحذيرات الأمريكية وفضلت استمرار الشراكة مع هواوي حيث أعطت تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية الضوء الأخضر لشركة هواوي الصينية، للمساعدة في بناء شبكة 5G.



التداعيات وشرارة البدء:

لفهم الصراع الذي تأجج مؤخراً، لا بد من العودة إلى أوائل العام الماضي 2018 ففي هذه الفترة أجرت سلطات أستراليا مناورة رقمية حتى تتأكد من القدرة التدميرية التي يمكن إلحاقها بدولة معادية في حال التمكن من الوصول إلى شبكتها من الجيل الخامس, وكشفت النتائج أن شبكة الجيل الخامس ستعرض أستراليا لخطر كبير في حال الاستهداف وهذه المناورة فتحت أعين بلدان أخرى على "الهاجس الرقمي".

تعقيباً على النتائج, شرح رئيس إدارة الإشارات بأستراليا مايك بيرغس السبب في أهمية أمن تكنولوجيا الجيل الخامس فقال إنه "جزء لا يتجزأ من الاتصالات في قلب البنية التحتية الحساسة في البلاد، من الطاقة الكهربائية إلى إمدادات المياه والصرف الصحي".

وذكرت "رويترز", بناءً على مقابلات أجرتها مع أكثر من 20 مسؤولاً غربياً حالياً وسابقاً، أن الأستراليين هم السباقون إلى المطالبة بالتحرك فيما يتعلق بالجيل الخامس وأن الولايات المتحدة تباطأت في التحرك في البداية وأن بريطانيا ودولاً أوروبية أخرى ممزقة بين المخاوف الأمنية والأسعار التنافسية التي تعرضها "هواوي".

ولدى الأستراليين، منذ فترة طويلة، هواجس فيما يتعلق بـ"هواوي" في الشبكات القائمة، لكن مناورة الجيل الخامس كانت نقطة تحول, فبعد 6 أشهر من بدء التجربة فرضت الحكومة الأسترالية حظراً فعلياً على "هواوي" أكبر شركة في العالم لتصنيع معدات شبكات الاتصالات ومنعتها من الاشتراك في خطط نشر الجيل الخامس في أستراليا. وبعد أن أطلع الجانب الأسترالي قادة الولايات المتحدة على ما توصل إليه، بدأت أطراف أخرى من بينها واشنطن تتحرك لتقييد "هواوي".

واشتدت الحملة ضد "هواوي" في الأسبوع الماضي عندما وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يحظر فعلياً استخدام معدات "هواوي" في شبكات الاتصالات الأمريكية لأسباب تتعلق بالأمن القومي وفرضت وزارة التجارة قيوداً على مشتريات الشركة من التكنولوجيا الأميركية، فيما علقت شركة "غوغل" بعض معاملاتها مع "هواوي" وبالأخص نظام التشغيل أندرويد وتطبيقات غوغل بالكامل.

تجدر الإشارة إلى أن مشروع أندرويد هو مفتوح المصدر لذا فإن الحظر الأمريكي لن يطال نظام التشغيل نفسه لأن رخصة استعماله وإعادة بنائه وتخصيصه وبيعه يندرج تحت تراخيص شهادات مفتوحة المصدر Open-Souce لذا فإن شركة هواوي يمكنها الإستفادة من نظام التشغيل لكنها سوف تحرم من أية تطبيقات أساسية من غوغل مثل التحديثات الأساسية الدورية والمتجر Play Store والبريد Gmail و YouTube والكثير.

النسخة التي سوف تخطط هواوي بالعمل عليها وتهيئتها هي التي لا تصل التحديثات الأمنية لها أولا بأول، وستحتاج هواوي إلى تطوير نظامها الخاص للتحديثات لأن غوغل بالأساس تنوي ابتداء من النسخة المُقبلة استخدام متجر التطبيقات لإرسال بعض التحديثات العاجلة، الأمر الذي سيُحرم منه مُستخدمو أجهزة هواوي الحاليون والمُقبلون أيضاً.

بعبارة أُخرى، ووفقا للقرارات الأخيرة، ستكون نسخ أندرويد في أجهزة "هواوي" ناقصة المزايا خصوصا الأمنية منها إلا أن مُستخدمي "هواوي" في الصين لن يتأثروا لأنهم بالأساس محرومون من جزء كبير من مزايا غوغل بسبب الحظر الذي تفرضه الحكومة الصينية منذ سنوات طويلة هناك, لكن الضرر الأكبر سيمون تأثيره بالغ الكبر على المستخدمين لأجهزة هواوي حول العالم خصوصاً في أوروبا الغربية والشرق الأوسط.

الأجهزة الحالية سوف تستمر في العمل كما هو الحال دون أي مشكلات، إلا أن الأجهزة المُستقبلية لن تكون قادرة على الوصول إلى متجر التطبيقات، "غوغل بلاي" (Google Play)، ولا إلى خدمات غوغل مثل الخرائط أو البريد الإلكتروني، دون نسيان التحديثات الأمنية والدورية التي تُطلقها الشركة.

لم توجّه غوغل طعنتها بشكل فردي، فشركات مثل "إنتل" (Intel) و"كوالكوم" (Qualcomm) ومن خلفهما مايكروسوفت في طريقها للإقدام على طعن الشركة الصينية التي ستصبح بلا حول ولا قوة, فشركة "إنتل" مسؤولة عن تزويدها بمعالجات لحواسبها المحمولة التي تعمل بنظام ويندوز وهذا يعني أن حواسبها ستصبح قريبا بلا معالج وبلا نظام تشغيل. أما "كوالكوم"، فهي مسؤولة عن تزويدها ببعض الشرائح الإلكترونية المُستخدمة في الهواتف الذكية لتتلقى بذلك ضربة مزدوجة قد تكون الأعنف في مجال التاريخ التقني الحديث.

ويقول محللون إن شركة هواوي الصينية التي تعاني من العقوبات الأميركية قد تشهد انخفاضاً في الشحنات بمقدار الربع هذا العام وتواجه احتمال اختفاء هواتفها الذكية من الأسواق الدولية. ويتوقع تحليل لشركة فبون للبحوث والتحليلات أن تتراجع شحنات الهواتف الذكية لهواوي ثاني أكبر شركة للهواتف الذكية في العالم من حيث الحجم بما بين 4 و 24% في عام 2019 إذا استمر الحظر المفروض من الولايات المتحدة.

وقالت ليندا سوي مديرة إستراتيجيات الهواتف الذكية في ستراتيجك أناليتكس "قد يتم القضاء على هواوي من سوق الهواتف الذكية في أوروبا الغربية العام المقبل إذا فقدت إمكانية الوصول إلى غوغل".




لكن, ربَّ ضارةٍ نافعة!





تمتلك الشركة الصينية خيار اللجوء لسامسونغ الكورية التي تمتلك سابقا نظام "تايزن" (Tizen) النظام الذي جاء أساساً للهواتف الذكية قبل أن ينحصر دوره ويصبح موجّهاً للساعات الذكية فقط. يُمكن تخصيص النظام لتشغيله من جديد على الهواتف الذكية. وبفضل نظام توافق التطبيقات (Application Compatibility Layer) الذي يوفره "تايزن" فيمكن تشغيل تطبيقات أندرويد عليه دون أي مشكلات بعد الاستفادة من متاجر تطبيقات أندرويد المتوفرة.

سوف تستفيد سامسونغ من دعم "هواوي" كثيراً فهي الأُخرى لن تكون سعيدة لو قرّرت غوغل لسبب من الأسباب سحب البساط من أسفلهاً هي التالية مستقبلاً ربما ولهذا السبب يمكن اعتبار "هواوي" وأجهزتها أفضل حقل للتجارب لمعالجة المشكلات أولاً بأول ولتقديم مزايا جديدة قد تُساعد على إيجاد نظام تشغيل جديد.


وحتى تاريخ نشر هذا المقال, فإن واشنطن أعلنت في تاريخ 20 مايو / أيار الماضي تأجيل بدء تطبيق الحظر على تصدير التكنولوجيا الأمريكية إلى شركة هواوي الصينية العملاقة حتى تاريخ 19 آب / أغسطس المقبل مشيرةً إلى الحاجة لإفساح المجال أمام تحديثات البرامج والتزامات أخرى متعلّقة بالعقود.

وأضاف البيان أنّ السلطات لن تطبّق الحظر لمدة 90 يوماً لإعطاء هواوي وشركائها الوقت "للمحافظة على الشبكات والمعدات الموجودة والعاملة حالياً ودعمها، بما في ذلك التحديثات على الأنظمة الخاضعة للعقود والاتفاقات القانونية الملزمة الموقّعة قبل 16 مايو / أيار 2019 ضمناً.




المصادر:

  1. ميدان الجزيرة
  2. موقع العين
  3. موقع البيان
  4. موقع العرب القطري



التعليقات

القائمة الرئيسية